عبد الشافى محمد عبد اللطيف

86

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

* المهاجرون في سجون مكّة : مرّ بك ذكر قصة هشام بن العاص بن وائل السهمي وعياش بن أبي ربيعة ، كما رواها صاحبهما ورفيقهما في الهجرة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهم جميعا وعرفت كيف أن الأوّل منهما - هشام بن العاص - منعه المشركون من الهجرة ، وحبسوه في مكة ، وفتنوه في دينه ، وأن الثاني - عيّاش بن أبي ربيعة - استطاع الهجرة في رفقة عمر بن الخطاب ، ولكنه لم يكد يصل إلى المدينة حتى ذهب إليه أبو جهل بن هشام ، وأخوه الحرث بن هشام ، واستدرجاه حتى عادا به إلى مكة مقيّدا في الأغلال ووضعوه هو وهشام بن العاص في سجن واحد . ولما هاجر النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، واطمأن به المقام في المدينة ، رقّ لأصحابه الذين لا يزالون يعانون في مكة القهر والظلم والسجن ، ومنهم هشام بن العاص ، وعيّاش بن أبي ربيعة ، فقال عليه الصلاة والسلام : « من لي بعيّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص ؟ » فقال الوليد ابن الوليد بن المغيرة : أنا لك يا رسول اللّه بهما ، فخرج إلى مكة ، فقدمها مستخفيا فلقي امرأة تحمل طعاما ، فقال لها : أين تريدين يا أمة اللّه ؟ قالت : أريد هذين المحبوسين عياش وهشام فتبعها حتى عرف موضعهما وكانا محبوسين في بيت لا سقف له ، فلما أمسى تسوّر عليهما ، ثم أخذ مروة « 1 » فوضعها تحت قيديهما ثم ضربهما بسيفه فقطعهما ، فكان يقال لسيفه : ذا المروة ، ثم حملهما على بعيره وساق بهما ، فعثر فدميت أصبعه ، فقال : هل أنت إلّا إصبع دميت وفي سبيل اللّه ما لقيت ؟ ثم قدم بهما على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المدينة » « 2 » . هذه صور وأمثلة - وهي قليل من كثير - من تعامل قريش مع المسلمين ، قبل الهجرة وأثنائها وبعدها . فهل كان بوسع المسلمين أن يسكتوا على هذا وأن يقفوا مكتوفي الأيدي ، وأن يقبلوا هذه المهانة ، كلا وألف كلا ! بل لا بد من المواجهة ، والمواجهة القوية الحاسمة التي تضع قريشا أمام خيارين لا ثالث لهما ، إما أن تؤمن باللّه الواحد الأحد ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وإما القتال . ولكن قبل المواجهة لا بد من أن يعدّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلم المسلمين لمواجهة قريش ، العدو الرئيس للإسلام في هذه المرحلة . * الدولة الإسلامية تقوم في المدينة لتحمي الدعوة : كان الإسلام في مكة دعوة ، وأصبح في المدينة - بعد الهجرة - دعوة ودولة ؛

--> ( 1 ) المروة : الحجر الأبيض الصلب . ( 2 ) ابن هشام ( 2 / 87 ، 88 ) وانظر كذلك السيرة النبوية لابن كثير ( 2 / 221 ) .